الأخبار العربية

صناعة الفخار.. تراث فلسطيني مهـدد بالانقراض

view_1373109854

على بعد مئات الأمتار من المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل جلس الحاج خلوي حسن التميمي (أبو أسعد) أمام مشغله الشعبي ينتظر مئات الأواني الفخارية التي نشرها تحت أشعة الشمس كي تجف، ومن ثم يشويها في أفرانه الشعبية الخاصة.

أوانٍ متعددة ومتنوعة في أشكالها، بعضها لزراعة الورود وتسمى (قوارير)، وأخرى لطبخ الدجاج واللحم مع الخضار على الحطب، ويطلق عليها (فخارة)، وثالثة لتحضير لبن المناسف الدسمة و”مرسه” داخلها وتسمى (معجنة)، وهناك بعض الأواني المشهورة لحفظ الماء البارد في داخلها صيفا، ويطلق على الحجم الكبير منها: (زير) والحجم الصغير: (مشربة)، وعشرات الأشكال الأخرى للزينة وحفظ الورود وعرضها.

تعتبر صناعة الفخار في فلسطين من أقدم المصنوعات الشعبية؛ إذ يعود تاريخ نشأتها إلى القرن الرابع قبل الميلاد، حيث يشير إلى ذلك المؤرخ الفلسطيني مصطفى مراد الدباغ، في كتابه النفيس بلادنا فلسطين: “وقد استعمل الفلسطينيون القدماء الأواني الفخارية في تخزين الأطعمة من زيت ولبن ومربى وسمن، لا بل كانت تستخدم للطبخ وتقديم الطعام”.

وقد أصبحت هذه الحرفة التراثية متوارثة بين العائلات، وتعتبر مدينة غزة من أوائل المدن الفلسطينية التي قامت بصناعة الفخار، وتبعتها مدينة الخليل ثم مدينة طولكرم، ففي مدينة غزة سمي حي كامل بحي الفواخير، وفي مدينة الخليل سميت عائلة باسم هذه الحرفة وهي عائلة الفاخوري، حيث توارثت هذه الحرفة أبًا عن جد”.

طرق صناعته
الحاج أبو أسعد التميمي ابن 71 عاما والذي أمضى في حرفة صناعة الفخار 50 عاما، تحدث للمركز الفلسطيني للإعلام عن مراحل صناعة الفخار، فقال: “يصنع الفخار من الطين الصلصالي، حيث يخلط الماء بالأتربة داخل حوض مخصص، ثم يترك عدة أيام حتى يجف الحوض من الماء، ونأخذ الطين الذي لا يزال يحتفظ برطوبته، حيث يسهل عجنه وتشكيله”.

وأضاف أبو أسعد: “يقطع الطين إلى قطع بحسب شكل وحجم الآنية التي نريد صناعتها، ونضعها على قاعدة متحركة تدور بفعل آلة قديمة صنعت يدويًا، ويبدأ الصانع يداعب كتلة الطين بأصابعه المبللة بالماء يشكلها كيفما يشاء، وبعد اكتمال شكلها يتم نشرها تحت أشعة الشمس لمدة أسبوع كي تجف من الماء، وتأتي المرحلة الأخيرة حيث يتم شوي الأواني داخل فرن بدائي تصل درجة الحرارة فيه إلى 900 درجة مئوية، وإذا ارتفعت درجة الحرارة أكثر فإن الأواني تتشقق وربما تتكسر”.

وحول الألوان المتعددة للفخار؛ قال الحاج أبو أسعد: “إن لون الفخار الطبيعي هو الوردي الذي يميل للأحمر بحسب لون الطين والتربة، لكننا أحيانا وبحسب الطلب، نصنع الفخار الأبيض الذي يصبح أبيضَ بفعل الملح الذي نخلطه مع الطين، وهناك فخار أسود الذي نستخدم من أجل تلوينه الدخان الأسود المنبعث من النيران، وأحيانا تستخدم بعض الأصباغ الخاصة”.

تراجع وعقبات
شهدت صناعة الفخار الفلسطيني تراجعا سحيقا وكبيرا في ظل الاحتلال، وذلك بسبب تدني مستوى السياحة، وعدم التمكن من تسويق الأواني الفخارية بسهولة ويسر، إضافة إلى تطور الأدوات المنزلية وتحولها من المواد الفخارية إلى المواد المصنوعة من اللدائن والزجاج وغيرها.

ويقول مدير دائرة المصنوعات الشعبية والتراثية في الأراضي الفلسطينية م. عواد سليم أبو عليا: “لقد تراجعت صناعة الفخار تراجعًا ساحقًا في فلسطين، وتكاد هذه الحرفة تنقرض بسبب عدم دعمها ودعم من يعمل فيها، فمحترف الفخار في فلسطين وخاصة الخليل، يعاني من العقبات الكثيرة التي تتمثل في تراجع الدخل بسبب إغلاق الاحتلال الصهيوني للأسواق والأحياء ومناطق عدة في الخليل خاصة، وانتشار الحواجز العسكرية في الضفة الغربية عامة”.

وأضاف أبو عليا للمركز الفلسطيني للإعلام: “تصدير هذا النوع من البضائع مكلف وصعب، والإقبال قليل بسبب غزو الأسواق الفلسطينية والعربية من المنتوجات الفخارية الصينية الأكثر تقنية وجمالا، إضافة إلى تدني مستوى السياحة وخاصة بعد انتفاضة الأقصى”.

وأكد أن “الطريقة البدائية التي لا يزال الفخار يصنع من خلالها، تزيد من كلفته وضعف إنتاجه، ولذلك فإن هذه الحرفة بحاجة إلى تطوير في آلات صنعها والطرق التي تمر بها.. من أجل ذلك تقلصت مشاغل صناعة الفخار، وأغلق العشرات منها، ولا يزال البعض المتبقي يراوح مكانه”.

يشار إلى أن صناعة الفخار في فلسطين مهنة تراثية توارثها الآباء والأجداد وبعض العائلات الفلسطينية؛ لتعبر عن تاريخ وعراقة هذا الشعب المناضل المجاهد، ولتجسد معالم مرحلة تاريخية من مسيرة شعبنا الفلسطيني.