مقالات

ما بقي من موقع البنّة (الخضرِمه) يستغيث

صورة قديمة من بداية القنوات المائية القديمة بموقع حزم فرزان تحولت لمكب نفايات بصورة مقززة
إنه الحزن المميت عندما يرى الإنسان شيئاً يجب أن يحافظ عليه ولكنه مهدر، إنها الحرقة والندم والتواجد والموت البطيء. وهذه حال من يعشق التاريخ وأهله عبر أزمنته المختلفة ويرى في الوقت ذاته مواطن التاريخ تداس وتزال بما تحتويه من شواهد بإزالتها لن تعود، وترى العابثين غير العارفين وربما وافدين من أقطار بعيدة يجرفون مواطن الإنسان ويزيلون ما تدل عليه ولا يجدون من يقول لهم: قفوا.
هذه حالي بعد كل زيارة أقوم بها إلى محافظة الخرج، تلك المحافظة التي أقول إنها ترقد فوق سجل التاريخ، فقد سبق أن كتبت أينما سرت فيها فأنت تسير على بقايا مستوطنات الإنسان. وتشهد الواحة هذه الأيام توسعاً في أحيائها ومزارعها ومنشآتها الأخرى؛ وكل انتشار غير مدروس يطمس صفحات من التاريخ، وقد طمست صفحات تلتها صفحات، بل ازيلت جبال من أماكنها وما عليها م آثار.
لقد عملت عام 1988م في مستوطنة البنّة التي تملك وكالة الآثار والمتاحف يومذاك جزءاً منها يصل طوله 800 متر وعرضه قريب من ذلك. وخلال المسح الميداني آنذاك اكتشفت أن مستوطنة البنّة تمتد ناحية الشمال بمئات الأمتار بل ببضعة كيلومترات. ومرت الأيام حتى حلت على عام 1425هـ عندما قمت بزيارتها ولم ألاحظ شيئاً في الاتجاه الشمالي نظراً لكثافة الرمال. وفي يوم 7-12-1429هـ قمت بزيارة المحافظة مع بعض الأخوة المهتمين ووقفت على الموقع، فأتضح لي ما كنت أتوقع عام 1988م، ولكن للأسف الشديد إن السبب في ظهوره ليست الأعمال الآثارية بل التدمير المتعمد من قبل مجموعة قد لا تكون مالكة للمكان إذ جرف بعض أصحاب حظائر الإبل بجارفات الرمال ومع الرمال جرفوا أجزاءً من جدران المساكن التي طمرتها تلك الرمال وحافظت عليها لآلاف السنين. فبجرف الرمل أصبحت تحت عجلات السيارات وأقدم الإبل تداس باليوم ألف مرة. إننا نتساءل كيف سمحت الجهات المسئولة لهؤلاء بإقامة حظائر على موقع أثري ربما إنه أهم موقع في وسط شبه الجزيرة العربية فهو حاضرة اليمامة القديمة، ولا شك في احتوائه على سجل لتاريخ أقوام عاشوا قبل خمسة آلاف عام، ومن جاء بعدهم وصولاً إلى بني حنيفة، ومن جاء بعدها من الأمم.
فهذا مصدر التاريخ الغني يزال بما يحتويه ونحن نتشبث بكتابة ترديدية لما ذُكر في المصادر البلدانية والتاريخية مع ما يعتريه من نقص وشك وتناقل وتصحيف وتحريف، بينما وعاء المعلومات الحقيقي الصادق ألا وهو الموقع الأثري يدمر على مرأى من أعيننا. فهل يمكن انقاذ ما بقي من الموقع؟ وما بقي منه شيء كثير.
أ. د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي