علماء ورحالة

ذكريات أجاثا كريستي.. على أطلال مدينة نمرود العراقية

أحد مواطني مدينة نمرود الأثرية جنوبي مدينة الموصل في شمال العراق يشير إلى المكان الذي كانت تقيم فيه أجاثا كريستي في صورة التقطت في أول أغسطس 2017. تصوير خالد الموصلي - رويترز.
أحد مواطني مدينة نمرود الأثرية جنوبي مدينة الموصل في شمال العراق يشير إلى المكان الذي كانت تقيم فيه أجاثا كريستي في صورة التقطت في أول أغسطس 2017. تصوير خالد الموصلي – رويترز.

نمرود (العراق) (رويترز) – هنا عاشت أجاثا كريستي ذات يوم لكن لم يتبق من الوقت الذي قضته كاتبة الروايات الخيالية الأكثر مبيعا في العالم سوى ذكرياتها على أطلال مدينة نمرود العراقية.

المنزل المبني من الطوب اللبن الذي سكنته ذات يوم الكاتبة البريطانية مؤلفة (جريمة في قطار الشرق السريع) بات شيئا من الماضي. ولو كانت على قيد الحياة في هذه الأيام لأصيبت على الأرجح بالصدمة جراء ما لحق بالمدينة الآشورية حيث عملت إلى جوار زوجها عالم الآثار قبل نحو خمسة عقود.

فقبل ثلاث سنوات هاجم تنظيم الدولة الإسلامية نمرود بالجرافات وآلات الحفر والديناميت في إطار هجومه العام على التراث الثقافي العراقي.

واستعادت قوات الجيش العراقي السيطرة على الموقع في بداية حملتها لطرد المتشددين من الموصل التي تقع على بعد 30 كيلومترا شمالا.

قبل ذلك بسنوات، كان المنزل الذي عاشت فيه كريستي بالموقع قد هدم وتوفي كل من عرفوها. لكن اسمها لا يزال يتردد على ألسنة السكان رغم أن أغلبهم لا يعرفون شيئا عن سبب شهرتها.

عاش أبو عمار في أقرب قرية إلى الأطلال وقال عن الكاتبة الشهيرة “نعرف أنها بريطانية فحسب”.

اشتهرت كريستي بشخصيتي المحققة ميس ماربل والمحقق هيركيول بوارو ودخل اسمها موسوعة جينيس للأرقام القياسية كصاحبة الروايات الخيالية الأكثر مبيعا في كل العصور. وباعت رواياتها البالغ عددها 78 رواية ملياري نسخة مترجمة إلى 44 لغة.

زارت كريستي العراق أول مرة قبل أن يحصل على استقلاله عن بريطانيا في عام 1932 والتقت بالرجل الذي تزوجته لاحقا في موقع أثري في الجنوب.

وقضى الزوجان بعض الوقت في الموصل وانتقلا في نهاية المطاف إلى نمرود.

وكتبت كريستي تقول “يا لها من بقعة جميلة… كان نهر دجلة على بعد ميل واحد وعلى تل الأكروبوليس العظيم تنتصب على الأرض رؤوس آشورية حجرية كبيرة. كانت منطقة مذهلة من البلاد… هادئة ورومانسية ومشبعة بالماضي”.

هذا الوصف يتناقض مع الحاضر.

فالتل الذي ترقد عليه الأطلال أحيط في الآونة الأخيرة بأسلاك شائكة لحمايته من اللصوص وحتى وقت قريب كانت الجثث طافية على نهر دجلة بعد أن جرفها التيار من ساحات المعارك في منطقة عليا من النهر.

* تماثيل الثيران المجنحة

ترقد تماثيل الثيران المجنحة الضخمة، التي كانت تقف ذات يوم لحراسة مدخل أحد القصور، مقطعة الأوصال في كومة حطام.

وقال النقيب علي عدنان من الجيش العراقي “انظر هناك قدم” مشيرا إلى مخلب عملاق منحوت من قطعة حجرية. وكان منقوشا على قطع أخرى ريش وحروف مسمارية.

واكتشف ماكس مالوان، زوج كريستي، كثيرا من هذه الآثار خلال خمسينيات القرن الماضي وألف كتابا يحمل اسم (نمرود وآثارها).

ويظهر اهتمام كريستي نفسها بالآثار القديمة جليا في روايتيها (الموت على ضفاف النيل) و(جريمة في بلاد الرافدين) وكانت كريستي بدأت كتابة سيرتها الذاتية في نمرود.

لكنها قضت معظم وقتها هناك في توثيق عمل مالوان بالصور الفوتوغرافية وتنظيف القطع العاجية التي يتم اكتشافها وكانت تستخدم كريم وجهها في تنظيف شقوق القطع الأثرية.

محمد سعيد شاب أصغر من أن يكون قد التقى بكريستي لكنه على دراية بأسطورتها.

وعمل سعيد وهو من سكان المنطقة في أعمال التنقيب في نمرود منذ العام 1996 واعتاد مرافقة السياح بالمنطقة في أوقات كانت أقل اضطرابا.

وقال سعيد وهو يقف على قطعة أرض محروقة ليست لها ملامح مميزة على حافة التل “هنا كانت غرفة أجاثا كريستي… الآن لم يبق شيء”.

كان سعيد حاضرا عندما سيطرت الدولة الإسلامية على المنطقة وظل حارسا في الموقع إلى أن تلقى تهديدات من المتشددين.

وخلال الأشهر التالية شاهد جرافات تعمل على التل وفي الليل كانت السيارات تجوب المنطقة ذهابا وإيابا. وكان يشتبه في أنهم تجار يتفقدون ما يمكن بيعه لملء خزائن الدولة الإسلامية. وبعد عام قام المتشددون بتفجير الموقع.

وقال سعيد “لا يسعني وصف ما شعرت به. ظن أشقائي أنني سأموت… الآثار رمز .. حضارة. هذه الآثار تمثل هذه الأمة”.

ويعتقد سعيد أن كريستي لو كانت على قيد الحياة لشاركته نفس الشعور إذ قال “كانت ستنهار على الأرجح”.

لكن يبقى الأمل. ويقول سعيد إن هناك خططا لبدء التنقيب في القصر الجنوبي في الربيع المقبل.

وكتبت كريستي تقول وهي تستعد لمغادرة نمرود:

“الآن ترقد نمرود. فقد أصبناها بندوب بجرافاتنا. وشقوقها المتسعة قد مُلئت بتربة جديدة. يوما ما ستلتئم جراحها وتزدهر مرة أخرى بزهور أوائل الربيع… من ذا سيزعجها في المرة القادمة؟ لا نعرف”.

(إعداد محمد اليماني للنشرة العربية – تحرير مصطفى صالح)
من إيزابيل كولز